الشيخ الطبرسي
448
تفسير مجمع البيان
المعنى : ثم أخبر سبحانه عن نفسه ، بأنه ينصر رسله ، ومن صدقهم ، فقال : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ) أي : ننصرهم بوجوه النصر ، فإن النصر قد يكون بالحجة ، ويكون أيضا بالغلبة في المحاربة ، وذلك بحسب ما تقتضيه الحكمة ، ويعلمه سبحانه من المصلحة . ويكون أيضا بالألطاف ، والتأييد ، وتقوية القلب . ويكون بإهلاك العدو . وكل هذا قد كان للأنبياء والمؤمنين من قبل الله تعالى ، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم . وقد نصروا أيضا بالقهر على من ناوأهم . وقد نصروا بإهلاك عدوهم ، وإنجائهم مع من آمن معهم . وقد يكون النصير بالانتقام لهم ، كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل ، حين قتل به سبعون ألفا . فهم لا محالة منصورون في الدنيا بأحد هذه الوجوه . ( ويوم يقوم الأشهاد ) جمع شاهد مثل الأصحاب جمع صاحب ، هم الذين يشهدون بالحق للمؤمنين ، وعلى المبطلين والكافرين يوم القيامة . وفي ذلك سرور للمحق ، وفضيحة للمبطل في ذلك الجمع العظيم . وقيل : هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون ، عن قتادة . وقيل : هم الحفظة من الملائكة ، عن مجاهد ، يشهدون للرسل بالتبليغ ، وعلى الكفار بالتكذيب . وقيل : هم الأنبياء وحدهم يشهدون للناس ، وعليهم . ثم أخبر سبحانه عن ذلك اليوم فقال : ( يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ) أي : إن اعتذروا من كفرهم لم يقبل منهم ، وإن تابوا لم تنفعهم التوبة ، وإنما نفى أن تنفعهم المعذرة في الآخرة مع كونها نافعة في دار الدنيا ، لأن الآخرة دار الإلجاء إلى العمل ، والملجأ غير محمود على العمل الذي ألجئ إليه . ( ولهم اللعنة ) أي : البعد من الرحمة ، والحكم عليهم بدوام العقاب ( ولهم سوء الدار ) جهنم نعوذ بالله منها . ثم بين سبحانه نصرته موسى وقومه ، فقال : ( ولقد أتينا موسى الهدى ) أي : أعطيناه التوراة فيها أدلة واضحة على معرفة الله ، وتوحيده . ( وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ) أي : وأورثنا من بعد موسى بني إسرائيل التوراة ، وما فيه من البيان ( هدى ) أي : هو هدى أي : دلالة يعرفون بها معالم دينهم ( وذكرى لأولي الألباب ) أي : وتذكير لأولي العقول ، لأنهم الذين يتمكنون من الانتفاع به دون من لا عقل له . ويجوز أن يكون ( هدى ) ، و ( ذكرى ) منصوبين على أن يكونا مصدرين ، وضعا موضع الحال من الكتاب ، بمعنى هاديا ومذكرا .